عبد القادر الجيلاني

51

فتوح الغيب

--> - ناقصا ، وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام ، أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر . وبالعكس قد يلقى في قلبه محبّة شخص ، وأنه ولي للّه ، أو أنّ هذا المال حلال . وليس المقصود هنا : بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية ، لكن أنّ مثل هذا يكون ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلّة السّمعية الظاهرة ، فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا ، فإن التسوية بينهما باطلة قطعا ، كما قلنا : إن العمل بالظنّ الناشئ عن ظاهر أو قياس خير من العمل بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما . والصواب الذي عليه السلف والجمهور : أنه لا بدّ في كل حادثة من دليل شرعيّ ، فلا يجوز تكافؤ الأدلّة في نفس الأمر ، لكن [ في نسخة : ولكن ] قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له ، وأمّا من قال : إنه ليس في نفس الأمر حقّ معيّن ، بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة ، وليس لأحدهما على الآخر مزيّة في علم ولا عمل ، فهؤلاء قد يجوّزون أو بعضهم تكافؤ الأدلّة ، ويجعلون الواجب التخيير بين القولين . وهؤلاء يقولون : ليس على الظن دليل في نفس الأمر ، وإنما رجحان أحد القولين هو من باب الرجحان بالميل والإرادة ، كترجيح النفس الغضبية للانتقام ، والنفس الحليمة للعفو . وهذا القول خطأ ، فإنه لا بدّ في نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ويخطئه أخرى ، كالكعبة في حقّ من اشتبهت عليه القبلة ، والمجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى جهة سقط [ في نسخة : وسقط ] عنه الفرض بالصلاة إليها ، كالمجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى قول فعمل بموجبه ، كلاهما مطيع للّه ، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع للّه ، وله أجر على ذلك ، وليس مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين ، فإنّ ذلك لا يكون إلا واحدا ، ومصيبه له أجران . وهذا في كشف الأنواع التي يكون عليها دليل شرعيّ ، لكن قد يخفى على العبد ، فإن الشارع بيّن الأحكام الكلية . وأمّا الأحكام المعيّنات التي تسمّى « تنقيح المناط » ، مثل كون الشخص المعيّن عدلا أو فاسقا ، أو مؤمنا أو منافقا ، أو وليّا للّه أو عدوّا له . وكون هذا المعيّن عدوّا للمسلمين يستحق القتل ، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه ، وكون هذا المال يخاف عليه من ظلم ظالم ، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله . فهذه الأمور لا يجب أن تعلم بالأدّلة الشّرعية العامّة الكليّة ، بل تعلم بأدلّة خاصّة تدلّ عليها . ومن طرق [ في نسخة : طريق ] ذلك : الإلهام ، فقد يلهم اللّه بعض عباده حال هذا المال المعين ، وحال هذا الشخص المعيّن ، وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره . وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب ، ليس فيها مخالفة لشرع اللّه تعالى ، فإنه لا يجوز قطّ لأحد لا نبيّ ولا وليّ أن يخالف شرع اللّه ، لكن فيها علم حال ذاك المعيّن بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر . كمن دخل إلى دار وأخذ ما فيها من المال ، لعلمه بأن صاحبها أذن له ، وغيره لم يعلم . ومثل من رأى ضالّة أخذها ولم يعرّفها ، لعلمه بأنه أتي بها هدية له ، ونحو ذلك . ومثل هذا كثير عند أهل الإلهام الصحيح . والنوع الثاني عكس هذا : وهو أنّهم يتّبعون هواهم ، لا أمر اللّه ، فهؤلاء لا يفعلون ، ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم ، ولا يتركون وينهون إلا عمّا يكرهونه بهواهم . وهؤلاء شرّ الخلق . قال -